محمد بن أبي بكر الرازي

154

حدائق الحقائق

وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن الصدق يهدى إلى البر ، والبر يهدى إلى الجنة » « 1 » . وروى أن « لقمان » كان عبدا حبشيّا « 2 » ، فقال له رجل : ما الذي بلّغك هذه المنزلة ؟ فقال : صدق الحديث وترك ما لا يعنى . والصدق عماد أمر السالك ونظامه وتمامه ، وهو ثاني بعد درجة النبوة « 3 » . قال اللّه تعالى : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ « 4 » . والصّدّيق : صيغة مبالغة من الصادق ، كالسّكّيت من الساكت . والصادق : من صدق في أقواله ، والصّدّيق من صدق في أفعاله وأقواله وأحواله . والصدق : زلال منبعه استقامة القلب وبراءته من الأغراض الدنيوية . والصدق : قرين الحرية والفتوة ، وإن كان دونهما مرتبة . والصدق على ثلاثة أقسام : - صدق النيّة . - وصدق اللسان . - وصدق العمل * فصدق النيّة : أن لا يريد بجميع أقواله وأفعاله وأحواله إلا اللّه تعالى . * وصدق اللسان : معروف . * وصدق العمل : أن يكون حريصا عليه لا يقطعه إلا قهرا واضطرارا . وقال « ذو النون » « 5 » : الصدق : سيف اللّه تعالى ، ما وضع على شئ إلا قطعه . وقال بعضهم : إذا طلبت اللّه بصدق أعطاك مرآة تبصر فيها عجائب الدنيا والآخرة . وقال آخر : عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرّك ، فإنه ينفعك ، ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك ، فإنه يضرّك . وكان « أبو العباس الدينوري » « 6 » يتكلم فصاحت عجوز في مجلسه ، فقال لها : إن كنت صادقة فموتى ، فوقعت ميتة .

--> ( 1 ) تقدم تخريجه قبل السابق . ( 2 ) ما بين المعقوفتين سقط من ( د ) . ( 3 ) في ( د ) : ( والثاني ) . ( 4 ) الآية رقم ( 69 ) من سورة النساء . ( 5 ) تقدمت ترجمته . ( 6 ) ( أبو العباس الدينوري ) واسمه : أحمد بن محمد ، صحب يوسف بن الحسين ، وعبد اللّه الخراز ، وأبا محمد الجريري ، وأبا العباس بن عطاء ، وغيرهم ، ورد نيسابور وأقام بها مدة ، وكان يعظ الناس ويتكلم بلسان المعرفة ، ثم رحل إلى سمرقند ومات بها بعد سنة 340 ه .